مارتينيز.. ملاكم يقود أحلام السكري
«الفقر ليس قدرًا، بل هو دافع لمراوغة المستحيل»، بهذه الفلسفة التي استقاها من أزقة «كارتاخينا» المنسية، صاغ الكولومبي روجر مارتينيز مهاجم فريق التعاون الأول لكرة القدم حكايته.
لم يكن يملك في طفولته سوى قدمين حافيتين وحلمًا يمتد أبعد من حدود حيه الشعبي «إيسلا دي ليون»، حيث كانت الملاعب الترابية تشهد أولى ركلاته لكرة قماشية.
في 23 يونيو 1994 وبينما كان الشعب الكولومبي يترقب بشغف منتخب بلاده بقيادة الأسطورة كارلوس فالديراما، والعملاق المدرب فرانشيسكو ماتورانا أطلق روجر بيكر مارتينيز توبينسون صرخته الأولى في حي «إيسلا دي ليون» أحد الأحياء الشعبية في مقاطعة كارتاخينا دي إندياس أهم وأشهر الوجهات السياحية في كولومبيا ومنطقة البحر الكاريبي.
كان والده بيكر يرى في ابنه ملامح المحارب، يدفعه للمخاطرة في بيئة لا تعترف إلا بالقوي، فتعلم روجر منذ نعومة أظفاره أن الكرة هي طوق النجاة الوحيد لعائلة تكافح من أجل لقمة العيش، ومن تلك التربة القاسية، استمد صلابة لم تكسرها خيبات البداية.
في سن السابعة عشرة، عبر المحيطات حاملًا حقيبة صغيرة وأحلامًا كبرى، اصطدم بجدران الرفض في نادي بوكا جونيورز الأرجنتيني، حيث لم يره كشافو النادي جديرًا بارتداء قميص «البومبونيرا»، لكنه لم ينكسر، بل قاده القدر إلى «رامون مادوني»، العراب الأسطوري الذي اكتشف مواهب تاريخية مثل ريكيلمي وتيفيز، مادوني رأى في روجر تلك الشراسة الفطرية التي يفتقدها الكثيرون، فوجهه نحو راسينج كلوب، هناك في «سيليندرو دي أفيلانيدا» تفجرت موهبته، وصار المهاجم الذي يخشاه الحراس، واصفًا تلك البداية بأنها «معمودية النار» التي صقلت شخصيته، ومع بزوغ فجره في الأرجنتين، جاءه نداء المال من أقاصي الشرق، لينتقل إلى جيانجسو سونينج الصيني في صفقة قلبت موازين حياته المالية، ليتحول من الفتى الذي يجمع النقود لشراء حذاء رياضي إلى نجم تلاحقه كاميرات المصورين في ناطحات سحاب نانجينج.
لم تكن الصين سوى محطة نضج، حيث تعلم روجر الانضباط في بيئة تختلف جذريًا عن صخب اللاتينيين، لكن طموحه كان يرفرف في سماء أوروبا، وهو ما تحقق حين طرق أبواب فياريال الإسباني، وفي «الغواصات الصفراء» أثبت أنه مهاجم من طراز رفيع، مسجلًا في شباك ريال مدريد، ومبرهنًا للجميع أن ابن كارتاخينا قادر على ترويض الكرة في أرقى المسارح العالمية، غير أن الحنين للقارة الأمريكية والضغوط الجماهيرية العالية أعادته إلى نادي أمريكا المكسيكي.
في المكسيك عاش الفتى الكولومبي حياة النجومية بكل صخبها، واجه انتقادات لاذعة ببرود أعصاب، وكان يخرج للإعلام المكسيكي بابتسامة الواثق قائلًا: «أنا لا ألعب من أجل الصحف، بل من أجل عائلتي التي تنتظر فرحتي» قبل أن يقرر العودة إلى بيته الأول راسينج الأرجنتيني ليغلق دائرة الحنين.
مع مطلع 2025 حزم ابن أزقة «كارتاخينا» حقائبه إلى السعودية وتحديدًا مدينة بريدة التي وجد فيها نفسه من جديد واستطاع التألق مع التعاون وهز شباك الخصوم وبات يذكر عشاق السكري بالعملاق الكاميروني لياندر تاوامبا بعد إحرازه 21 هدفًا في 42 مباراة ومساهمًا في 4 أهداف.
خلف الأضواء، يعيش روجر حياة هادئة تقدس الروابط العائلية، يرى في والدته «إديلسيا» البوصلة التي توجه قراراته المالية والفنية، يبتعد عن ضجيج الحفلات ويفضل قضاء وقته في ممارسة الملاكمة، الرياضة التي تمنحه القوة البدنية والتركيز الذهني.